فصل: تفسير الآيات (21- 24):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله: {وَمَا يَعْبُدُونَ} عطفٌ على مَفْعولِ {نَحْشُرهم} ويَضْعُفُ نصبُه على المعيَّة. وغَلَّب غيرَ العاقلِ فأتى بما دونَ مَنْ.
قوله: {هَؤُلاَءِ} يجوزُ أن يكونَ نعتًا لعِبادي، أو بدلًا، أو بيانًا.
قوله: {ضَلُّوا السبيل} على حَذْفِ الجرِّ وهو عن، كما صَرَّح به في قوله: {يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 117] ثم اتُّسِع فيه فَحُذِف نحو: هَدَى، فإنه يتعدَّى ب إلى، وقد يُحْذَفُ اتِّساعًا. وظَلَّ مطاوعُ أَضَلَّ.
قوله: {يَنبَغِي} العامَّةُ على بنائِه للفاعل. وأبو عيسى الأسودُ القارىء {ينبغى} مبنيًا للمفعولِ. قال ابنُ خالويه: زعم سيبويه أن ينبغى لغة.
قوله: {أَن نَّتَّخِذَ} فاعلُ {ينبغي} أو مفعولٌ قائمٌ مقامَ الفاعلِ في قراءةِ الأسود. وقرأ العامَّةُ {نَتَّخِذَ} مبنيًا للفاعل. و{من أولياء} مفعولُه، وزِيْدَتْ فيه {مِنْ}. ويجوز أن يكونَ مفعولًا أولَ على أنَّ اتَّخَذَ متعديةٌ لاثنين، ويجوز أَنْ لا تكون المتعديةَ لاثنين بل لواحدٍ، فعلى هذا {مِنْ دونِك} متعلِّقٌ بالاتِّخاذ، أو بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ {أولياء}.
وقرأ أبو الدَّرْداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر في آخرين {نُتَّخَذَ} مبنيًَّا للمفعول. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّها المتعديةُ لاثنينِ، والأولُ همز ضمير المتكلمين. والثاني: قولُه: {مِنْ أولياء} و{مِنْ} للتبعيضِ أي: ما كان ينبغي أَنْ نَتَّخِذَ بعضَ أولياء، قاله الزمخشري. الثاني: أنَّ {مِنْ أولياء} هو المفعولُ الثاني ايضًا، إلاَّ أنَّ {مِنْ} مزيدةٌ في المفعولِ الثاني. وهذا مردودٌ: بأنَّ {مِنْ} لا تُزاد في المفعول الثاني، إنما تُزاد في الأولِ. قال ابن عطية: ويُضْعِفُ هذه القراءةَ دخولُ {مِنْ} في قوله: {مِنْ أولياء}. اعتَرَض بذلك سعيدُ بن جبير وغيرُه. الثالث: أَنْ يكونَ {مِنْ أولياء} في موضعِ الحالِ. قاله ابن جني إلاَّ أنه قال: ودَخَلَتْ مِنْ زيادةً لمكانِ النفيِ المتقدم، كقولك: ما اتَّخذت زيدًا مِنْ وكيل. قلت: فظاهرُ هذا أنه جَعَلَ الجارَّ والمجرورَ في موضعِ الحالِ، وحينئذٍ يَسْتحيلُ أَنْ تكونَ مِنْ مزيدةً، ولكنه يريدُ أنَّ هذا المجرورَ هو الحالُ نفسُه ومِنْ مزيدةٌ فيه، إلاَّ أنه لا تُحفظ زيادةُ مِنْ في الحالِ وإنْ كانَتْ منفيةً، وإنما حُفِظ زيادةُ الباءِ فيها على خلافٍ في ذلك.
وقوله: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ} {أَمْ هُمْ ضَلُّوا} إنما قَدَّم الاسمَ على الفعل لمعنىً ذكرْتُه في قولِه تعالى: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: 116].
وقرأ الحَجَّاج {نتخذ مِنْ دونِك أولياءَ} فبلغ عاصمًا فقال: مُقِتَ المُخْدِجُ. أَوَ عَلِم أنَّ فيها مِنْ؟.
قوله: {ولكن مَّتَّعْتَهُمْ} لَمَّا تََضَمَّن كلامُهم أنَّا لم نُضِلَّهم، ولم نَحْمِلْهم على الضلالِ، حَسُن هذا الاستدراكُ وهو أَنْ ذَكَرُوا سبَبَه أي: أَنْعَمْتَ عليهم وتَفَضَّلْتَ فَجَعَلوا ذلك ذَرِيْعةً إلى ضلالهم عكسَ القضية.
قوله: {بُورًا} يجوز فيه وجهان أحدُهما: أنه جمعُ بائرِ كعائذِ وعُوذ. والثاني: أنه مصدرٌ في الأصلِ، فَيَسْتوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنثُ. وهو مِنْ البَوارِ وهو الهَلاكُ. وقيل: من الفسادِ. وهي لغةٌ للأزد يقولون: بارَتْ بضاعتُه أي: فَسَدَتْ. وأمرٌ بائِرٌ أي: فاسدٌ. وهذا معنى قولِهم: كَسَدَتِ البضاعةُ. وقال الحسن: وهو مِنْ قولِهم: أرضُ بُوْرٌ أي: لا نباتَ بها. وهذا يَرْجعُ إلى معنى الهلاكِ والفساد.
قوله: {بِمَا تَقُولُونَ} هذه الجملةُ من كلامِ اللهِ تعالى اتفاقًا، فهي على إضمارِ القولِ والالتفاتِ. قال الزمخشري: هذه المفاجأةُ بالاحتجاجِ والإِلزامِ حسنةٌ رائعةٌ، وخاصةً إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحَذْفُ القولِ. ونحُوها قولُه عز وجل: {يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} [المائدة: 19] وقولُ القائل:
قالوا خُراسانُ أَقْصى ما يُرادُ بنا ** ثم القُفُوْلُ فقد جِئْنا خُرسانا

انتهى. يريد: أن الأصلَ في الآيةِ الكريمة: فقُلْنا: قد كَذَّبوكم، وفي البيت فقلنا: قد جِئْنا. والخطابُ في {كَذَّبوكم} للكفارِ، فالمعنى: فقد كَذَّبكم المعبودون بما تقولون مِنْ أنَّهم أَضَلُّوكم. وقيل: المعنى: فقد كَذَّبوكم فيما تقولون من الافتراءِ عليهم أنَّهم أَضَلُّوكم وقيل: هو خطابٌ للمؤمنين في الدنيا أي: فقد كَذَّبكم أيَّها المؤمنون الكفارَ بما تقولون من التوحيدِ في الدنيا.
وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياءِ مِنْ تحتُ أي: فقد كَذَّبكم الآلهةُ بما يقولون {سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ} إلى آخِرِه. وقيل: المعنى: فقد كَذَّبكم أيها المؤمنونَ الكفَّارُ بما يقولون من الافتراءِ عليكم.
قوله: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} قرأ حفص بتاءِ الخطاب والمرادُ عبادُها. والباقون بياءِ الغَيْبة. والمرادُ الآلهةُ التي كانوا يعبُدونها مِنْ عاقلٍ وغيرِه؛ ولذلك غَلَّب العاقَل فجيْءَ بواوِ الضميرِ.
قوله: {نُذِقْهُ} العامَّةُ بنونِ العظمةِ، وقرئ بالياءِ وفي الفاعلِ وجهان، أظهرهُما: أنَّه اللهُ تعالى لدلالةِ قراءةِ العامَّةِ على ذلك. والثاني: أنه ضميرُ الظلمِ المفهومِ من الفعل. وفيه تَجَوُّزُ بإسناد إذاقةِ العذابِ إلى سببِها وهو الظلمُ.
قوله: {إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ}.
في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها في محلِّ نصبٍ صفةً لمفعولٍ محذوفٍ، فقدِّره الزمخشريُّ تابعًا للزجَّاج: وما أَرْسَلْنا قبلَك أحدًا من المرسلين إلاَّ آكلين وماشِين وإنما حُذِف لمكانِ الجارِّ بعدَه. وقَدَّره ابنُ عطية: رجالًا أو رُسُلًا. والضميرُ في {إنهم} وما بعدَه عائدٌ على هذا الموصوفِ المحذوفِ. والثاني: أنه لا محلَّ لها من الإِعرابِ، وإنما هي صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ هو المفعولُ لأَرْسَلْنا، تقديرُه: إلاَّ مَنْ إنهم، فالضميرُ في {إنهم} وما بعدَه عائدٌ على معنى مَنْ المقدرةِ، وإليه ذهب الفراء. وهو مردودٌ: بأنَّ حَذْفَ الموصولِ لا يجوزُ إلاَّ في مواضعَ تَقَدَّم التنبيهُ عليها في البقرةِ. الثالث: أنَّ الجملةَ محلُّها النصبُ على الحالِ. وإليه ذهب أبو بكر بن الأنباري. قال: التقديرُ: إلاَّ وإنهم، يعني أنَّها حاليةٌ، فقدَّر معها الواوَ بيانًا للحالية. ورُدَّ: بكونِ ما بعدَ {إلاَّ} صفةً لِما قبلَها. وقدَّره أبو البقاء أيضًا.
والعامَّةُ على كسرِ إنَّ لوجودِ اللامِ في خبرِها، ولكونِ الجملةِ حالًا على الراجحِ. قال أبو البقاء: وقيل: لو لم تكنِ اللامُ لكُسِرَتْ أيضًا؛ لأنَّ الجملةَ حاليةٌ، إذ المعنى: إلاَّ وهم يأْكلون، وقرئ {أنهم} بالفتح على زيادةِ اللامِ، وأَنْ مصدريةٌ. التقدير: إلاَّ لأنَّهم. أي: ما جَعَلْناهم رسلًا إلى الناسِ إلاَّ لكونِهم مِثْلَهم.
وقرأ العامَّةُ {يَمْشُوْن} خفيفةً. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد الله {يُمَشَّوْن} مشدَّدًا مبنيًا للمفعولِ. أي: تُمَشِّيهم حوائجُهم أو الناسُ. وقرأ أبو عبد الرحمن {يُمَشُّون} بالتشديدِ مبنيًا للفاعل، وهي بمعنى {يَمْشُون} قال الشاعر:
ومشى بأعطانِ المَبَأءَةِ وابتغى ** قلائِصَ مِنْها صَعْبَةٌ ورَكُوْبُ

قال الزمخشري: ولو قُرِىء {يُمَشُّون} لكان أوجهَ، لولا الروايةُ يعني بالتشديد. قلت: قد قرأ بها السُّلَمِيُّ ولله الحمد.
قوله: {أَتَصْبِرُونَ} المعادِلُ محذوفٌ أي: أم لا تصبرون. وهذه الجملةُ الاستفهاميةُ قال الزمخشري: موقعُها بعد الفتنةِ موقع {أيُّكم} بعد الابتلاءِ في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ} [الملك: 2] يعني أنها معلَّقةٌ لِما فيها مِنْ معنى فِعْلِ القلبِ، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ على إسقاطِ الخافضِ. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)}.
اللَّهُ يحشرُ الكفارَ ويحشر الأصنامَ التي عبدوها من دون الله، فَيُحْيِيها ويقول لها: هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيتبرأون.. كلُّه تهويلٌ وتعظيمٌ للشأن، وإلا فهو عليم بما كان وما لم يكن. فالأصنام تُتبرأ منهم، تقابلهم بالتكذيب، وهم ينادون على أنفسهِم بالخطأ والضلالِ، فيُلْقَون في النار، ويَبْقَوْنَ في الوعيد إلى الأبد.
قوله جلّ ذكره: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الأَسْوَاقِ}.
أخبر أن الذين تَقْدَّموه من الرسل كانوا بَشَرًا، ولم تكن الخصوصية لهم إلا ظهورَ المعجزات عليهم. وفي الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة، ثم قال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}.
فَضَّلَ بعضًا على بعض، وأمر المفضولَ بالصبر والرضاء، والفاضلَ بالشكر على العطاء وخصَّ قومًا بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء، وخصَّ قومًا بالعوافي، وأخرين بالأسقام والآلام، فلا لِمَن نَعَّمَه مناقب، ولا لِمَنْ امتحنه معايب... فبحُكمِه لا يِجُرْمهم، وبفضله لا بفعلهم، وبإرادته لا بعبادتهم، وباختياره لا بأوضارهم، وبأقذاره لا بأوزارهم، وبه لا يهم.
قوله: {أَتَصْبِرُونَ} استفهام في معنى الأمر، فَمَنْ ساعَدَه التوفيقُ صبر وشكر ومن قارنه الخذلان أبي وكفر. اهـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.

.تفسير الآيات (21- 24):

قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك، وكثرة الصنائع، والإحسان إلى جميع الخلق، وكان من حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه، كائنًا من كان، لاسيما إذا كان بهذه الصفة، لينال من إحسانه، ويتعزز به على أقرانه، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى: {وقال} وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال: {الذين لا يرجون} أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا {لقاءنا} فهم لا يعملون عملًا يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد، ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك، فصارت لذلك عقولهم تبعًا لشهواتهم، فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال، والانهماك في الضلال، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف: {لولا} أي هلا ولم لا.
ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة، عبر بالإنزال فقال: {أنزل} أي على أيّ وجه كان من أيّ منزل كان {علينا الملائكة} أي كما أنزلت عليه فيما يزعم {أو نرى ربنا} بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة.
ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه، لأن فيه اعتراضًا على من لا يحد وصف عظمته، ولا تدرك مقاصد حكمته، قال مصدرًا بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جوابًا لمن كأنه سأل: ما حالهم في هذا؟ {لقد} أي وعزتنا لقد {استكبروا} أي طلبوا بل أوجدوا الكبر.
ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم، قال: {في أنفسهم} أي بطلب رؤية الملائكة.
ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية، قال: {وعتو} أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله: {عتوًا كبيرًا} وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتوًا وظلمًا أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعًا بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى: ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم! ثم بين لهم حالهم عند بعض ما طلبوا فقال: {يوم} وناصبه ما دل عليه {لا بشرى} {يرون الملائكة} أي يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار {لا بشرى} أي من البشر أصلًا {يومئذ للمجرمين} أي لأحد ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل، ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار {ويقولون} أي في ذلك الوقت: {حجرًا محجورًا} أي نطلب منعًا منكم ممنوعًا، أي مبالغًا في مانعيته، ويجوز أن يراد بالمفعول الفاعل، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يكون بينهم وبين الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم؛ قال أبو عبيدة: وهذا عوذة العرب، يقوله من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة وقال سيبويه: يريد البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمرًا، فكأنه قال: أحرم ذلك حرامًا محرمًا، ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجرًا أي سترًا وبراءة من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل.
وعبر بالمضارع إشارة إلى دوام تجديدهم لهذا القول بعد مفاجأتهم به حال رؤيتهم لهم لعظيم روعتهم منهم، بخلاف ما بعده فإنه عبر فيه بالماضي إشارة إلى أنه كائن لا محالة.
ولما كان المريد لإبطال الشيء- لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره، بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر بقوله: {وقدمنا} أي بما لنا من العظمة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة {إلى ما عملوا من عمل} أي من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم والحلم والنجدة في الخير وإغاثة الملهوف وغيره {فجعلناه} لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان- باطلًا لا نفع فيه، وهو معنى {هباء} وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما يشبه الغبار، فهو أشبه شيء بالعدم لأنه لا نفع له أصلًا.
ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظمًا، فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، معظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس، قال مبلغًا في وصف أعمالهم: {منثورًا} وهو صفة، وقيل: مفعول ثالث لجعل، أي جعلنا الأعمال جامعة لحقارة الهباء والتناثر.
ولما علم من هذا أن التقدير: فكاون بحيث إنهم لا قرار لهم إذا كانت النار مقيلهم، تلاه بحال أضدادهم فقال: {أصحاب الجنة يومئذ} أي يوم إذ يرون الملائكة {خير مستقرًا} أي مكانًا يصلح للاستقرار لطيبه، ويكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين على سرر متقابلين يتحادثون، إشارة إلى أن منزل أولئك لا يمكن الاستقرار فيه {وأحسن مقيلًا} أي مكانًا يمكن فيه الاستراحة في مثل وقت القيلولة للاسترواح بأزوجهم، والتمتع بما يكون في الخلوات، روي أن وقت الحساب على طوله يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين أول النهار إلى وقت القائلة فيقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ الناس من الحساب.
وعبر بأفعل التفضيل تهكمًا بهم أو أنه عبر بذلك لما كان الكلام عامًا لأحوال الدنيا والآخرة، وهو قاطعون بأنهم في الدنيا أحسن حالًا من المؤمنين، لما هم فيه من السعة في المال والكثرة والقوة، وبلفظ الحسن إشارة إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحه الصور ونحوه. اهـ.